محمد بن لطفي الصباغ
20
لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير
معنى آخر ، وبين من لا يؤول . ان نؤمن بما جاء من عند اللّه الا في المواطن التي لا بد فيها من شيء ربما دعي التأويل على توسع في معنى الكلمة ، كقوله تعالى في آية واحدة : اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وقوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فالاجماع على أنها ليست معية ذات ، تعالى اللّه عن ذلك ، ولكنها معية علم وبصر وسمع ، ومثلها : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ يمنع إرادة المعنى الأصلي ، أي القاموسي في كلمة فَنَسِيَهُمْ ان النسيان مستحيل على اللّه وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا . ولعل منشأ الخلاف ان هذه الكلمات وضعت في لسان العرب قبل نزول القرآن ، وأن القرآن نزل بهذا اللسان ، وانها وضعت لمعان بشرية أرضية ، فلا يجوز ان نفهمها بهذه المعاني لأن اللّه ليس كمثله شيء ، ولأن الخالق لا يشبه المخلوق ، ولا يجوز أن نخرجها عن معانيها كلها فنجعلها ألفاظا معطلة لا تدل على شيء . وفي كتابي « تعريف عام بدين الاسلام » بيان لهذا الذي أقول . * * * وبعد فما كان بي حاجة إلى كتابة هذه المقدمة ، لأن المقدمات انما تكون تعريفا بكاتب مجهول ، أو بحث جديد غير معروف . والكاتب هنا الأستاذ الصباغ ، معروف بفضله الذي يبدو في آثار قلمه ، وفي بيانه ، الذي يظهر دائما على لسانه ، وفي علمه الذي يشهد به عارفوه ، ويستفيد منه تلاميذه ، فهو رجل قد جمع سعة الاطلاع ، وجودة الالقاء ، وسلامة اللغة ، والبعد عن اللحن ، وهو محدث موفق في الإذاعة والرائي ، ومدرس ناجح في الجامعة وفي الجامع ، ظاهر المكان ، متميز الرأي في الندوات الاسلامية ، عامل دائب في حقل الدعوة إلى اللّه ، قادر على توضيح المسائل وتقريبها إلى الشبان ، وهو سليم العقيدة ، سلفي المشرب ، مثل أخويه عصام وزهير ، وفقهم اللّه جميعا وقواهم وأكثر من أمثالهم . علي الطنطاوي